السيد محمد تقي المدرسي
37
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
يبدو عليه أنه أصبح مرتاباً في مدرسته ، بل إن قلبه أضحى مركزاً لتفاعل أفكار المعارضة . وبعد أن اعتكف في بيته لعدة أيام ، ظهر على الملأ وادعى أنه رأى رسول الله في المنام ، وقد هداه الله به إلى مذهب جديد ، وأخرج للناس كتاباً خط فيه الخطوط العريضة لمذهبه الجديد ، ثم خلع ثيابه وأعلن أنه قد خلع أفكاره السابقة بمثلما يخلع أمامهم ثيابه ، وقد أيد هذا المذهب علماء كبار من أمثال القاضي أبو بكر الباقلائي ، وإمام الحرمين الجويني والإسفرائيني وغيرهم « 1 » . وقد اعتبروا المذهب الأشعري مذهب أهل السنة والجماعة ، وبتأييد المتوكل العباسي أصبح المذهب الرسمي للبلاد . ولقد كان انتشار هذا المذهب الذي يجمد الناس على النصوص موافقاً لنهج السلطات ، إذ بعد أن استطاعت السلطات مقاومة خطر الحركات السياسية ذات الفلسفة الثورية بقوة الجدل عند مدرسة الاعتزال ، لم تعد بحاجة إلى ذلك المذهب ، بل الحاجة ماسة اليوم إلى مذهب يفلسف القمع والإرهاب ويقتل كل معارضة في المهد . وبالرغم من أن الأشاعرة يعتبرون النصوص الشرعية مرجعهم الأساسي « 2 » إلا أنهم كانوا متأثرين بشدة بالأفكار الدخيلة والبعيدة عن مصادر الوحي الإلهي ،
--> ( 1 ) ( ) تحقيق در ساءل كلام ، ص 33 . ( 2 ) ( ) في جدل مع الجبائي وهو نابع لمدرسة المعتزلة ، بقول الأشعري ، هل يمكن أن نسمي ربنا باسم ( الحكيم ) ؟ يقول : بلى ، فيعود ويتساءل ، وهل نستطيع أن نطلق عليه العاقل ؟ يقول : كلا ، فيسأل لماذا ؟ يقول : لأن العقل من العقال . ولا معنى له في شأن الله سبحانه ، فيقول له : وكذلك الحكمة التي هي مشتقة من حكمة اللجام ، وهي الحديدة التي تربط بها الأنعام ، ثم استشهد بقول حسان الشاعر : فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء فكيف يجوز أن يسمى بالحكبم وليس العاقل ؟ ثم يجيب الأشعري نفسه ليس ذلك إلا لأن أسماء الله تعالى توفيقية ، أي لا يجوز أن نطلقها إلا حسب ما جاء في الشرع . المصدر / ص 37 .